عندما يصبح الماضي مستقبلًا: أناقة سكياباريللي تنبعث من جديد

في يونيو عام 1940، غادرت إلسا سكياباريللي باريس، المدينة التي عشقتها واعتبرتها وطنًا لها، لتستقل سفينة متجهة إلى نيويورك. لم تكن هذه الرحلة مجرد نهاية لعقد زمني، بل كانت ختامًا لمرحلة ثورية في تاريخ الموضة.

على مدى عشرين عامًا، غيّر مصممان اثنان ليس فقط طريقة لباس النساء، بل أعادا تعريف مفهوم الموضة نفسه. الأولى كانت غابرييل شانيل، التي حررت المرأة من الكورسيه واستبدلته بأقمشة الجيرسي الناعمة الملتصقة بالجسم. كما أبدعت رموزًا بصرية – ما نُطلق عليه اليوم “كودات العلامة” – وهي عناصر تميّز القطعة فورًا وتربطها بدار أزياء معيّنة.

أما إلسا، فكانت مساهمتها أكثر مفهومية وأقل مادية. لم تكن تسعى فقط إلى تغيير شكل اللباس، بل كانت تتساءل عن جوهر الموضة: هل الفستان لا يزال مجرد قطعة تُرتدى، أم يمكن اعتباره عملًا فنيًا؟ كيف يمكن للموضة أن تتحدث إلى الفن؟ وكيف يمكن للفن أن يُلهم الموضة ويُعيد تشكيلها؟ لقد أعادت تعريف ما ننتظره من الموضة، وما يمكن أن تكونه.

وبالرجوع إلى الوراء، تبيّن أن السنوات التي سبقت مغادرتها المؤقتة لباريس كانت تمثل ذروة الأناقة، وبداية العصر الحديث للحروب. مفارقةٌ غريبة: مدينتان في مدينةٍ واحدة، وزمانان يتقاطعان. تُهدى هذه المجموعة إلى تلك المرحلة، حيث كانت الحياة والفن يقفان على حافة التغيير؛ إلى غروب الأناقة، وإلى نهاية العالم كما عرفناه.

تقوم هذه المجموعة على ثنائية الأبيض والأسود فقط، حيث طرحتُ سؤالًا: هل يمكن طمس الخط الفاصل بين الماضي والمستقبل؟ إذا أزلتُ اللون وكل ما يُوحي بالحداثة، وإذا ركّزت على الماضي بهوس، فهل يمكن أن تبدو المجموعة وكأنها وُلدت في المستقبل؟ غابت مظاهر الحداثة المتوقعة، ليبقى جوهرٌ نقيّ يُعيدنا إلى المبادئ الأولى، لكن بروحٍ ثورية. إنها رؤية لعالمٍ بلا شاشات، بلا ذكاء اصطناعي، بلا تكنولوجيا. عالمٌ قديم، نعم، لكنه ما بعد المستقبل أيضًا. وربما، في النهاية، هما الشيء نفسه. إذا كانت مجموعتنا السابقة تهدف إلى جعل الباروك يبدو معاصرًا، فهذه المجموعة تنقّب في الأرشيف لتُعيد صياغته بروح مستقبلية.

أما من حيث القصّات، فطرحتُ في هذه المجموعة مقاربة جديدة للتصاميم. غابت عنها الأحزمة الضيقة والكورسيهات التي اشتهرت بها الدار، لتحلّ محلها تقنيات مفاجئة تُبرز الخصر والوركين بطريقة تمنح القوة والراحة في آنٍ واحد.

كما جرى استكشاف الرموز التاريخية للدار بطرق غير مباشرة. داخل القصّات الدقيقة نجد مفاتيح ورموزًا تشريحية مجسدة عبر تفاصيل خزفية مصنوعة يدويًا تعود لعهد إلسا. أما الأوشحة، فقد تم تطريزها بخيوط حريرية باستخدام أشرطة قياس ونقاط سويسرية، وهي تقنيات من زمن إلسا.

تم تصميم العرض بأكمله بأسلوب السريالية وتلاعب الخداع البصري (trompe l’oeil)، انطلاقًا من المكياج وصولًا إلى الأقمشة، من صوف دونيغال إلى الساتان اللامع. ظهرت بدلات عشاء بتنورات تصل إلى الركبة وسترات مطرّزة بخيوط فضية وسوداء متلألئة. وقدّمتُ سترة “إلسا” الجديدة، بقصّتها الحادة المستوحاة من الأرشيف، والمنفذة بقماش قطني وصوفي، إلى جانب فساتين سهرة مشدودة بانسيابية، لتقدم لغة ليلية جديدة لا تعتمد على الكورسيهات أو الملابس الضاغطة.

أما قطع الخيال فحملت توقيعًا خاصًا: كاب “أبولو” الشهير من تصميم إلسا، أعدنا ابتكاره هنا كأمواج من المجوهرات المعدنية البراقة على ثلاث طبقات من النجوم، بألوان الأسود والرصاصي والفضي الساتيني. كذلك، فستان من التول بعنوان “التموجات والالتواءات” مع تطريزات ثلاثية الأبعاد على شكل أصداف فوق طبقة من الأورغندي الأبيض، ومظلة من الأورغندي الأسود. سترات مستوحاة من أزياء الماتادور، مرصعة باللؤلؤ الباروكي وبقع فهد معدنية وخرزات سوداء براقة، كلها مستوحاة من رموز الدار. وختامًا، فستان “العيون المفتوحة” مطرّز بعينٍ مرسومة يدويًا داخل كبسولات من الراتنج، مزينة برموش وجفون من خيوط معدنية، وذيل خلفي من التول الحريري.

من السهل جدًا أن نُضفي على الماضي هالة رومانسية. ومن السهل أيضًا أن نخاف من الحاضر. في يناير 1941، عادت إلسا في زيارة قصيرة إلى باريس رغم الحرب، وتوقفت أولًا في البرتغال، حيث سلّمت 13,000 كبسولة فيتامين لوزير فرنسي في لشبونة نيابةً عن منظمة الإغاثة الأمريكية الفرنسية. ثم عادت في مايو إلى نيويورك، حيث انضمت من جديد إلى أصدقائها السرياليين الذين لجأوا هناك أيضًا.

تذكّرنا هذه المجموعة بأن النظر إلى الوراء لا معنى له، إذا لم نستطع أن نحمل شيئًا ذا قيمة معنا نحو المستقبل.

شارك