السياحة في جورجيا: رحلة عبر التاريخ والجبال وكرم الضيافة

منذ لحظة هبوط طائرتنا في تبليسي، اتضح لنا أن جورجيا ليست مجرد وجهة سياحية، بل ملتقى حضارات نابض بالحياة. تقع هذه الدولة الصغيرة، ذات التنوع المذهل، بين أوروبا وآسيا، وتقدم تاريخًا عريقًا، ومناظر طبيعية خلابة، وتقاليد عريقة، وكرم ضيافة لا يُضاهى يُميز كل لقاء. على مدار سبعة أيام، أتاحت لنا رحلة صحفية نظمتها الهيئة الوطنية للسياحة في جورجيا استكشاف عاصمة البلاد والتوغل في أعماق جبال القوقاز، لاكتشاف الطبقات التي تجعل جورجيا فريدة من نوعها.

بدأت رحلتنا بوصولنا بعد الظهر إلى مطار تبليسي الدولي، ثم تسجيل الوصول إلى الفندق وتناول عشاء ترحيبي. منذ الليلة الأولى، كان كرم الضيافة الجورجية واضحًا، مما مهّد الطريق لأيامنا القادمة. قضينا الليلة في تبليسي، المدينة التي تجمع بين عبق التاريخ وحيوية العصر الحديث.

default

خصصنا اليوم الثاني لاستكشاف تبليسي القديمة، حيث تتكشف صفحات التاريخ في كل شارع. كانت كنيسة ميتيخي، التي تتربع شامخة على جرف مطل على نهر متكفاري، إحدى أولى محطاتنا. بُنيت الكنيسة في القرن الخامس الميلادي في عهد الملك فاختانغ غورغاسالي، وتُعد رمزًا لأصول المدينة وصمودها.

كشف لنا التجول في شارع شاردين، أحد أقدم شوارع تبليسي، عن مزيج نابض بالحياة من المقاهي والمعارض الفنية والمراكز الثقافية. سميت هذه المنطقة تيمناً بالفنان الفرنسي جان بابتيست سيميون شاردان، وأصبحت وجهةً مفضلةً للتجمع لدى السكان المحليين والزوار على حدٍ سواء.

وفي الجوار، يُشكّل برج الساعة الساحر، من تصميم ريزو غابريادزه، تبايناً لافتاً مع العمارة التي تعود للعصور الوسطى في المدينة. يُضفي تصميم البرج، الذي ابتكره الفنان الجورجي الشهير ريزو غابريادزه، إحساساً وكأنه حكاية خيالية تنبض بالحياة. ففي كل ساعة، يظهر ملاك صغير ليقرع الجرس، ويُقام عرض مسرحي مصغر مرةً واحدةً يومياً، يرمز إلى دورة الحياة.

وترتبط قصة تبليسي ارتباطاً وثيقاً بينابيعها الكبريتية الساخنة، التي يُقال إنها ألهمت الملك فاختانغ لتأسيس المدينة في القرن الخامس. ويتجلى هذا التراث في أبانوتوباني، حي الحمامات التاريخي الذي يتميز بقبابه المبنية من الطوب الأحمر، والتي ترتفع من الأرض، ويتصاعد منها البخار في الهواء.

استكشفنا أيضًا حي ليغفتاخيفي، أحد أقدم أحياء تبليسي، والذي اشتهر تقليديًا بأشجار التين وحمامات الكبريت. ورغم إعادة بنائه في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال وجهةً رئيسيةً للزوار الراغبين في تجربة ثقافة المنتجعات الصحية التاريخية في المدينة.

في اليوم الثالث، زرنا متحف جورجيا، الذي يعود تاريخه إلى عام ١٨٥٢. لا يروي المتحف قصة الحضارة الجورجية فحسب، بل يروي أيضًا الرحلة الدرامية لكنوزها الوطنية، التي نُقلت سرًا إلى فرنسا خلال فترات الاضطرابات السياسية، ثم أُعيدت لاحقًا بفضل جهود المؤرخ إكفيتيمي تاكايشفيلي.

انتقلنا من التاريخ الرسمي إلى الثقافة اليومية في سوق دراي بريدج للسلع المستعملة، وهو سوق نابض بالحياة في الهواء الطلق، حيث تتعايش التحف والأعمال الفنية والمجوهرات والآثار من ماضي جورجيا السوفيتي. يُعد هذا السوق من أفضل الأماكن لفهم الهوية المتعددة الأوجه للبلاد.

لاحقًا، دخلنا إلى رحابة حديقة تبليسي النباتية الهادئة، الواقعة في وادٍ أسفل قلعة ناريكالا. أُنشئت الحديقة على أرض حديقة ملكية سابقة، وتضم شلالات وأنواعًا نباتية نادرة وممرات مشي خلابة. كما تتصل الحديقة بقلعة ناريكالا القديمة، التي تُطل على المدينة، مما يُعزز أهمية تبليسي الاستراتيجية والتاريخية.

في اليوم الرابع، صعدنا إلى أعلى المدينة، إلى منتزه متاتسميندا، وهو منتزه ترفيهي يقع على قمة جبل متاتسميندا. بالإضافة إلى ألعابه ومرافقه الترفيهية، يُوفر المنتزه إطلالات بانورامية على تبليسي، تُظهر كيف تمتد المدينة على طول النهر وتصعد إلى التلال المحيطة.

كان في انتظارنا رمزٌ آخر قويٌّ عند تمثال أم جورجيا. يرتفع التمثال شامخًا فوق المدينة بارتفاع 65 قدمًا، ويحمل في إحدى يديه إناءً من النبيذ وفي الأخرى سيفًا – استعارةٌ بصريةٌ لكرم الضيافة الجورجية واستعدادها للدفاع عن الوطن. صُمِّمَ التمثال عام 1958، وهو يجسّد روح أمةٍ تشكّلت عبر قرونٍ من الغزو والصمود والفخر الثقافي.

default

أتاحت لنا فترة ما بعد الظهر وقتًا حرًّا قبل العشاء وقضاء ليلةٍ أخرى في العاصمة.

بعد مغادرة تبليسي، اتجهنا شمالًا نحو الجبال. توقفنا قليلًا عند نقطة مشاهدة خزان جينفالي، حيث استمتعنا بمناظر خلابة لمياهه الفيروزية، ثم توقفنا عند نصب غوداوري التذكاري للصداقة، وهو موقع بانورامي يُجسد الوحدة وسط مناظر جبلية آسرة.

كانت وجهتنا كازبيغي (ستيبانتسميندا)، وهي بلدة تقع على ارتفاع 1740 مترًا فوق سطح البحر على طول الطريق العسكري الجورجي. تُحيط بها قمم شاهقة، وتُشكل بوابة إلى منطقة القوقاز الكبرى، وتحافظ على طابعها المنعزل والهادئ.

كانت أبرز محطات اليوم كنيسة جيرجيتي الثالوثية، التي بُنيت في القرن الرابع عشر، وتقف شامخة على تل شديد الانحدار أسفل جبل كازبيغي. موقعها النائي، إلى جانب المناظر الطبيعية الخلابة، جعلها من أبرز معالم جورجيا. كانت الكنيسة في الماضي ملاذًا للآثار المقدسة في أوقات الخطر، ولا تزال حتى اليوم مكانًا حيويًا للعبادة. قضينا الليلة في كازبيجي، حيث أتيحت لنا فرصة نادرة للاستمتاع بسكون الجبال بعد غروب الشمس.

أخذتنا الرحلة الأخيرة عبر مضيق داريالي المهيب، الذي لا يبعد سوى مسافة قصيرة بالسيارة عن كازبيجي. تتميز هذه الممرات الطبيعية بجروفها الشاهقة وأنهارها المتدفقة وممراتها الضيقة، وقد كانت تاريخيًا إحدى البوابات الرئيسية بين جبال القوقاز والسهول الشمالية. بعد الغداء، عدنا إلى تبليسي لتناول عشاء وداعي والمبيت هناك.

أظهرت هذه الرحلة الصحفية أن جاذبية جورجيا لا تكمن في معلم واحد، بل في تداخل التاريخ والطبيعة والثقافة وكرم الضيافة. فمن حمامات الكبريت في تبليسي القديمة إلى عظمة كنيسة جيرجيتي الثالوثية الصامتة، تحكي كل وجهة قصة، وتشكل مجتمعة دعوة آسرة لاستكشاف بلد ما زال أصيلاً وكريماً ولا يُنسى.

شارك